رفيق العجم
863
موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي
عن الآخر ، وهذه الاستقصات للأركان كالطبيعة للاستقصات ، فالاستقصات جميعها موجودة في كل ركن من الأركان لكن النار يغلب فيها استقصان وهما الحرارة واليبوسة ، والهواء يغلب عليه استقصان وهما البرودة واليبوسة . فمتى لبست الطبيعة صورة استقصى من الاستقصات لا يمكن خلعها ومتى لبست الاستقصات صورة ركن من الأركان لا يمكن خلعها ، ومتى لبست الأركان صورة من صور الموجودات العنصرية لا يمكن خلعها فيبقى ذلك الموجود موجودا بعد فناء ظاهره في الطبيعة يشاهدها المكاشف عيانا كما كان يشاهدها الناس في الحسّ . وهذا الفلك الطبيعي واسع جدّا خلق اللّه تعالى فيه الجنة والنار والمحشر والبرزخ وجميع ما في الدنيا وما هو قبل خلق الدنيا ممّا علمنا ومما لا نعلمه من المخلوقات الطبيعية ، وظاهره المحسوس لنا اليوم هو العالم الدنياوي وباطنه الغائب عنا هو العالم الأخراوي وقابلية البطون والظهور هو البرزخ وهو عالم الخيال وعالم المثال وهو عالم السمسمة ، فنسخة الدنيا منك ظاهرك من الجوارح وغيرها ونسخة البرزخ منك خيالك ونسخة الآخرة منك العالم الروحي وهو باطنك . ( جيع ، مرا ، 24 ، 11 ) - من مراتب الوجود ، وهي الهيولى وهي حضرة التشكيل والتصوير تتولّد هذه الصور منها كما تتولّد الأمواج في البحر فإذا اقتضت الهيولى صورة من صور الوجود كان حتما على الطبيعة إبرازها في العالم بالقدرة والإرادة الإلهية ، لأن اللّه تعالى جعل اقتضاء الهيولى سببا لإيجاد تلك الصورة كما جعل دعاء المضطرّ سببا لإجابته تعالى فقال تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ( النمل : 62 ) فاقتضاء الصورة من الهيولى دعاء لسان الحال لوجود ما اضطرّت إلى وجوده وهي الصورة التي تعيّنت في الهيولى وتقدير الحق على الطبيعة بإيجاد تلك الصورة هي الإجابة الإلهية ، فالهيولى بالنسبة إلى الصورة والأشكال كالماء للأشجار يتغيّر بحسب كل شجرة . ( جيع ، مرا ، 25 ، 13 ) - من مراتب الوجود هي الهباء وهو مكان حكمي لا وجودي أوجد اللّه العالم فيه وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أول من سمّى هذا المكان الحكمي بالهباء ، فإن قلت بيّن لنا كيف يتصوّر وجود هذا الهباء الذي هو مكان العالم . قلت لك : أوليس اللّه قد خلق العالم والعالم بأجمعه اسم لما سواه ؟ فإن كان أوجده اللّه في نفسه كانت نفسه محلّا للحوادث تعالى عن ذلك ، وإن كان أوجده في مكان مخلوق كان ذلك المكان من جملة العالم ، فما بقي إلا أن نقول أوجده في مكان حكمي غير وجودي حتى يخرج ذلك المكان عن حدّ العالم ويخرج عن أن يكون ذات الحق تعالى فافهم . هذا وجه إثبات هذا الفلك الهبائي بطريق رأي العقلاء والنظر . وأما عندنا فهو سبحانه أوجد العالم من علمه إلى عينه وعلمه عينه وعينه ذاته والمراد من قولي أوجد العالم من علمه إلى عينه هو عبارة عن إضافة الحق تعالى نسبة الوجود إلى عينه ، لأن الموجودات بأسرها لم تزل موجودة له في علمه وعلمه على الحقيقة عينه وعينه علمه لأنه بذاته يعلم وبذاته يسمع وبذاته يبصر ولو قلت يسمع بسمع ويبصر ببصر ويعلم بعلم ، قلنا : إن ذلك العلم والسمع والبصر عين ذاته لا غيرها فوجود العالم في الظاهر الكوني إيجاده لهم في بصره وهو عبارة